الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

286

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد جرى الجواب على طريقة الأسلوب الحكيم ، والمعنى : أن هذا العذاب واقع لا محالة سواء قرب زمان وقوعه أم بعد ، فلا يريبكم عدم تعجيله قال تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ [ يونس : 50 ] ، وقد أشعر بهذا المعنى تقييد إتيان الساعة بقيد بَغْتَةً فإن الشيء الذي لا تسبقه أمارة لا يدرى وقت حلوله . و يَنْظُرُونَ بمعنى ينتظرون ، والاستفهام إنكاري ، أي لا ينتظرون بعد أن أشركوا لحصول العذاب إلا حلول الساعة . وعبر عن اليوم بالساعة تلميحا لسرعة ما يحصل فيه . والتعريف في السَّاعَةَ تعريف العهد . والبغتة : الفجأة ، وهي : حصول الشيء عن غير ترقّب . و أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل من السَّاعَةَ بدلا مطابقا فإن إتيان الساعة هو عين الساعة لأن مسمى الساعة حلول الوقت المعيّن ، والحلول هو المجيء المجازي المراد هنا . وجملة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ في موضع الحال من ضمير النصب في تَأْتِيَهُمْ . والشعور : العلم بحصول الشيء الحاصل . ولما كان مدلول بَغْتَةً يقتضي عدم الشعور بوقوع الساعة حين تقع عليهم كانت جملة الحال مؤكدة للجملة التي قبلها . [ 67 - 73 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 67 إلى 73 ] الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ( 67 ) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 68 ) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ ( 69 ) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ ( 70 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ( 71 ) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 72 ) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ ( 73 ) استئناف يفيد أمرين : أحدهما : بيان بعض الأهوال التي أشار إليها إجمال التهديد في قوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [ الزخرف : 65 ] . وثانيهما : موعظة المشركين بما يحصل يوم القيامة من الأهوال لأمثالهم والحبرة